بين التحليل والتنجيم في قراءة الأحداث
Apr 08, 2026
بين التحليل والتنجيم في قراءة الأحداث
في أوقات الحروب والأزمات تكثر الآراء التي تحاول قراءة ما يحدث، وإذا أخذت جولة على القنوات الإخبارية أو منصات التواصل الاجتماعي ستجد كماً هائلاً من الآراء التي تتناول تفسير ما يحدث وتوقع ما قد يحدث، وهنا يبرز نوعان من الخطاب:
النوع الأول هو التحليل السياسي الرصين، حيث يطرح فيه سياسيون ذوو خبرة أو أكاديميون أو مختصون في الشؤون الاقتصادية أو العسكرية تحليلاً للأحداث في ضوء سياقها والنظريات السياسية والشواهد التاريخية والوقائع الجيوسياسية لفهم أسباب تطور الأحداث واستشراف ما قد تؤول إليه، وهذا مقبول ومهم.
أما النوع الثاني فهو أقرب إلى "التنجيم"، حيث يُفسَّر الواقع في هذا الطرح بتصورات وتكهنات لا تستند إلى معطيات واقعية أو قرائن مقنعة، وإنما رجماً بالغيب سواء كانت على لسان متخصصين أو غير متخصصين، وهي أقرب ما تكون إلى السيناريوهات الدرامية. بل لوحظ مؤخراً أن بعض المنجمين الحقيقيين يدلون بـ"توقعاتهم" لمستقبل السياسة الدولية والحروب، مما يعزز من الظن القائل بأن بعض أصحاب هذا الطرح مدفوعون عن قصد لنشر هذه السيناريوهات القاتمة لأغراض جهات معينة بهدف تأهيل الرأي العام الإقليمي والدولي، أو جسّ نبضه، أو خلق تصور جماعي، وكلها من أساليب الحرب النفسية، لاسيما مع تكرار إعطاء المساحة لهم من بعض وسائل الإعلام الدولية.
وفي فترات الأزمات المعقدة تجد هذه الروايات طريقها للانتشار، ويعزو علماء النفس ذلك إلى أن بعض الناس يميلون في ظروف الغموض لتصديق رواية حول مآل وتصور نهاية ما يجري، وتبني أي تفسير يمنحهم إحساساً بالفهم، حتى وإن لم يكن دقيقاً، فهو لهم أكثر راحة من البقاء في قلق عدم معرفة النهاية. كما يساهم البعض في نشرها من باب عدم الشعور بالوحدة في هذا القلق، حيث يميل الإنسان بطبيعته إلى مشاركة مخاوفه مع الآخرين لتخفيف حدتها، فيما يُعرف نفسياً بتنظيم المشاعر جماعياً، أو أن يصدقهم البعض لاسيما إذا صادف رأياً سابقاً لأحد مقدمي هذه السيناريوهات تشابهاً مع الواقع.
ومن مخاطر هذا النوع من "التنجيم" السياسي تأثيره السلبي في نفسية المجتمعات. لذا يجدر مواجهته وعدم المساهمة في نشره، لأنه غير دقيق أو علمي، فضلاً عن أنه يخالف معتقداتنا الإسلامية وإيماننا بأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وأن الأخذ بالأسباب والتفكّر والوعي يكون بالدليل والمنطق، لا بنشر مزاعم بأن هناك من يحدد فصول أزمات العالم ويحدد مصائر العباد.
لذا تبرز ضرورة الاعتماد على المصادر الرسمية والمعلومات الموثوقة في أوقات الأزمات، حيث يعد ذلك أساساً للتماسك النفسي والفكري المجتمعي في مواجهة التكهنات والشائعات. وكذلك تقع المسؤولية على وسائل الإعلام في تقديم محلليهم ممن يناقشون الأحداث بشكل علمي وموضوعي وواقعي بعيداً عن هذا الضرب من التنجيم.
كما أن هناك مسؤولية كبرى تقع على الأفراد في تحري الدقة فيما يتداولونه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإن في نشر هذا النوع من الخطاب ترويعاً للناس وبث سرديات مضرة لها أهداف مجهولة.
وختاماً، فإن التمييز بين التحليل والتنجيم ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة لحماية الوعي العام في أوقات هي الأكثر حساسية وتأثيراً.
تعلّم فن الخطابة والدبلوماسية الحديثة من خلال فيديوهات و اختبارات و شهادات.